السيد عبد الله شبر
294
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
وأمّا على أصولنا الحكميّة الإيمانيّة فالجواب عنها بما مرّ : أنّ العقوبة إنّما لحقت الكفّار لا من جهة انتقام منتقم خارجيّ يفعل الإيلام والتعذيب على سبيل القصد وتحصيل الغرض حتّى يرد السؤال في الفائدة وعدم الفائدة ، أو في كون المنفعة عائدة إليه تعالى أو إلى العبد ، بل العقوبة إنّما تلحقهم من باب اللوازم والتبعات والنتائج والثمرات . فهذا هو الجواب بحسب الأصول الحقّة عن الإشكال الوارد على أصل العقاب . وأمّا الإشكال الوارد على دوام العذاب وأبديّته للكفّار ، فوروده من جهة أخرى غير جهة التحسين والتقبيح ، فلذلك كان موجب تحيّر الحكماء وتدهّش أفاضل العرفاء ، حتّى أنّ الشيخ العارف السبحانيّ محي الدين بن العربيّ وتلميذه الشيخ صدر الدين القونويّ صرّحا بالقول بانتهاء مدّة العقاب وعدم تسرمد العذاب وتبعهما غيرهما من شرّاح الفصوص ، ومن يحذو حذوهم ، ثمّ نقل عبارات الفصوص والفتوحات وعبارة القصيريّ بنحو ما ذكرنا . ثمّ قال بعد نقل كلامهم : وممّا يدلّ على نفي تسرمد العذاب حديث : سيأتي على جهنّم زمان ينبت في قعرها الجرجير ، وذكر البغويّ - المشهور بمحيي السنّة - في معالم التنزيل في تفسير قوله تعالى : « وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا » « 1 » أنّه قال ابن مسعود : ليأتينّ زمان على جهنّم ليس فيها أحد ، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً . « 2 » انتهى ما أوردنا نقله من تفسير الفيلسوف صدر الدين الشيرازيّ . وقال المحدّث العارف المحقّق الكاشانيّ في كتاب عين اليقين الذي تبجّح في أوّله وقال : هذه رموز ربّانيّة أوتيتها من فضل اللَّه ، وكنوز عرفانيّة انتقدتها من نفائس خزائن أهل اللَّه ، وأنوار ملكوتيّة اقتبستها من مشكاة المستضيئين بنور اللَّه ، وأسرار
--> ( 1 ) . هود ( 11 ) : 108 . ( 2 ) . تفسير القرآن الكريم ، ج 1 ص 361 - 365 و 375 .